ابن كثير

165

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي أخبر سليمان بنعم اللّه عليه فيما وهبه له من الملك التام والتمكين العظيم ، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير ، وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا ، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر فيما علمناه مما أخبر اللّه به ورسوله ، ومن زعم من الجهلة والرعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود ، كما قد يتفوه به كثير من الناس ، فهو قول بلا علم ، ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة ، إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم ، ويعرف ما تقول ، وليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا ، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال . ولكن اللّه سبحانه كان قد أفهم سليمان ما يتخاطب به الطيور في الهواء ، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها ، ولهذا قال تعالى : عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي مما يحتاج إليه الملك إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ أي الظاهر البين للّه علينا . قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا قتيبة ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو بن أبي عمرو ، عن المطلب عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كان داود عليه السلام فيه غيرة شديدة ، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب ، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع - قال - فخرج ذات يوم وأغلقت الأبواب ، فأقبلت امرأة تطلع إلى الدار ، فإذا رجل قائم وسط الدار ، فقالت لمن في البيت : من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة ؟ واللّه لنفتضحن بداود ، فجاء داود عليه السلام فإذا الرجل قائم وسط الدار ، فقال له داود : من أنت ؟ فقال : الذي لا يهاب الملوك ولا يمتنع من الحجاب ، فقال داود : أنت إذا واللّه ملك الموت مرحبا بأمر اللّه ، فتزمل داود مكانه حتى قبضت نفسه حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس ، فقال سليمان عليه السلام للطير : أظلي على داود ، فظللت عليه الطير حتى أظلمت عليه الأرض ، فقال لها سليمان : اقبضي جناحا جناحا » قال أبو هريرة : يا رسول اللّه كيف فعلت الطير ؟ فقبض رسول اللّه يده وغلبت عليه يومئذ المضرحية . قال أبو الفرج بن الجوزي : المضرحية هن النسور الحمراء . وقوله تعالى : وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ أي وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير ، يعني ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الإنس وكانوا هم الذين يلونه ، والجن وهم بعدهم في المنزلة ، والطير ومنزلتها فوق رأسه ، فإن كان حر أظلته منه بأجنحتها . وقوله : فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يكف أولهم على آخرهم لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له . قال مجاهد : جعل على كل صنف وزعة يردون أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير كما يفعل الملوك اليوم .

--> ( 1 ) المسند 2 / 419 ، ولفظه : المصرحية بدل المضرحية .